تعترض الباحثين و الدارسين صعوبات كثيرة للحسم في تحديد أصل و مورد كلمة ” سوس ” فلا الافتراضات اللغوية ، و لا الوثائق الوطنية و الأجنبية ، و لا حتى الكتابات المحلية استطاعت أن تتقاطع مع غيرها من الوثائق و تتفق على مدلول خاص أو عام عن هذا المجال المسمى ” سوس ” . و مع ذالك تبقى الاجتهادات و التحريات التاريخية تعرف نوعا من التقدم بفعل تطور الدراسات اللغوية و الاجتماعية و الانثروبولوجية ، و كذا ظهور وثائق محلية قديمة .
و من القراءات التي صاحبت هذا المجال تلك التي تقرن لفظة ” سوس ” بالمحيط الجغرافي او الطوبوغرافي ، حيث أن سوس بالنسبة لهذه القراءة تعني ” ء يسوس ” –أي أسقط الحب من الشجرة – و منها ” ء يسوس أركان “- ” ءيسوس تيكيضا ” – ” ء يسوس ء يركان ء يلحوايج ” و تعني أسقط حب أركان و حب الخروب ، كما تعني نفض الغبار عن الملابس .
و ارتباطا بهذا المعنى السابق ترد سلسلة متصلة من المترادفات و قبيلة من الدلالات المتشابهة ، كجملة ” ءارءيسوسي ” و تعني إزالة الأعشاب الضارة و الزائدة من المزروع …هذه المفردات و المعاني ترتبط المجال الفلاحي .
إذا كان المعنى السابق قترن بالمجال الفلاحي ، لما لأشجار أركان و اللوز ، و الزيتون من قيمة غذائية و تجارية في المجتمع القروي الفلاحي السوسي ، فان المعنى الثاني ينساب من المعنى الأول و توالد عنه كأن نقول : ” ءيسو – سوان – ء يسوي …” بمعنى السقي و الري . و جاء هذا المعنى متناغما و متوافقا مع وجود شريان أساسي للفلاحة و هو نهر سوس ” ءاسيف ن-سوس ” الذي يخترق المنطقة و يخترق سهل سوس ، و من هنا تتناسل المعاني و الدلالات : فالسقي ” ء يسوي ” يستتبعه الجني ” ء يسوس ” .
كما أن مدلول كلمة ” سوس ” في اللغة العربية لا يبتعد كثيرا عن المعاني السابقة ، إذ ورد في لسان العرب – مادة ” سوس ” : ” السوس حشيشة تشبه القت ، و السوس شجر ينبت ورقا في غير افنان.
و في تحديد موقع سوس يضع ابن خلدون هذه المنطقة في الإقليم الثالث بعد تقسيم المعمور إلى سبعة أقاليم من الغرب إلى الشرق ” و فيه جبل ( درن ) الذي يمتد من الغرب عند البحر المحيط ، و هذا الجبل يسكنه من البربر أمم لا يحصيهم إلا خالقهم ، أما المساحة التي تفصل بين هذا الجبل و الإقليم الثاني و على البحر المحيط منها ، فهناك رباط ماسة الذي يتصل به شرقا بلاد سوس “.
كما يحدد ابن خلدون سوس الأقصى ما وراء مراكش ، و يشمل تارودانت ، و سهول سوس ، و افران – الغيران – بالأطلس الصغير ، و يخترقه نهر سوس إلى البحر .
و جاء في (وصف إفريقيا ) للحسن الوزاني ، أن سوس تقع” وراء الأطلس الكبير إلى الجهة المقابلة لبلاد حاحا ….تبدأ غربا من المحيط و تنتهي جنوبا في رمال الصحراء ، و شمالا في الأطلس عند حدود حاحا ، و شرقا عند نهر سوس الذي سميت به هذه الناحية “.
و عند المؤرخين السوسيين نجد عميدهم : محمد المختار السوسي ، يسمي سوس بلاد جزولة : ” نعني بسوس ما يقع من سفوح درن الجنوبية إلى حدود الصحراء من وادي نون ، و قبائله من تكنة و الركائبات و ما إليها إلى حدود طاطا و سكتانة ” .
و استجماعا لهذه التحديدات ، يتبين أن الحدود الجغرافية لمنطقة سوس تبتدئ من السفوح الجنوبية للأطلس الكبير ، و مرورا و عبر الأطلس الصغير إلى حدود درعة بالصحراء .
و حسب الدارسين الأوربيين و غيرهم ، أمثالروبير مونطاني ، و جاك بيرك، و امثال بول باسكون. حيث أظهرا في دراستهم و بحوثهم صورة المغرب المنقسم في تنظيمه الداخلي بين بلاد المخزن ، و بلاد السبة ، أي أن المجال التابع للمخزن ، و المجال الخارج عنه ، و في كل مجال تتأسس و تتعايش أنساق اجتماعية و نظام اجتماعي يتصاعد عموديا من الخلية الأولى للنظام الاجتماعي ( الأسرة ) إلى المؤسسة الاجتماعية الأولى ( القبيلة ).
و أن هذا النوع من الأسر تعيش في مناطق صغيرة ، مثل القرية و الدوار ، و المدشر . و هذه التجمعات الأسرية ذات طبيعة سياسية ( أثناء الحرب و السلم ) و اقتصادية ( استغلال إرث الأسرة ) ، و ذات بنية تركيبية موازية لميكانيزمات اشتغال النظام القبلي .
و لفهم و استيعاب طريقة اشتغال المجتمع القروي في سوس ، سنستخدم الأدوات الاشتغالية لهذا المجتمع ، و التي ما يزال البعض منها أو أغلبها فاعلا في تنظيم العلاقات و المجال القروي في سوس :
1-الكانون : و هي الأسرة المؤلفة من رب الأسرة ، و زوجته ( زوجاته ) ، و أبنائه ، و أحفاده ، و تعيش حياة جماعية تتقاسم فيما بينها بيتا واحدا ، يتسع لكل أفراد الأسرة الذين يتعاونون فيما بينهم ، حيث يساهم كل عضو حسب إمكاناته و طاقاته و عمره و مركزه ، في استثمار ممتلكات الأسرة ، و تطويرها ، و توفير سبل تنشيطها و تنويعها . و بذالك تشكل الأسرة وحدة اقتصادية للإنتاج و الاستهلاك ، إضافة إلى دورها في تدبير و استغلال الميراث العائلي ، مع ضبط العلاقات بين جميع أفراد الأسرة .
2 –ء يخس ( العظم ) : و يأتي في المرتبة الثانية حسب التدرج الاجتماعي لنظام القبيلة ، و هو يتكون من مجموعة أسر منتظمة ، و مندمجة تستوطن مدشرا ، أو مجالا جغرافيا محدودا تتقاسم فيه هذه الأسر …الثروات الطبيعية .
و من جهة أخرى يرىروبير مونطاني أن هذه التجمعات السكانية تتكون من 20 إلى 30 كانون تضمهم أربعة (4) أو خمسة (5) دواوير ، و في بعض الأحيان تصل إلى عشرة (10) أو اثنا عشرة (12) دوارا .
و هذه المجموعات المتفرقة من الدواوير يكونون مؤسسة اجتماعية هي ” تقبيلت ” . و هي كيان اجتماعي يتميز عن المفهوم الشامل للقبيلة ، إذ الفرق بينهما أن” تقبيلت ” هي مؤسسة جد محدودة في المهام و الوظيفة ، تستمد شخصيتها من وحدة الرقعة المسكونة ، و المجال المستغل ، و غالبا ما نجد أهل ” تقبيلت ” يدعون أنهم ينتسبون إلى نسب واحد ، أما مفهوم القبيلة ، فهي وحدة سكانية كبيرة ، تحمل اسما واحدا ، و تلك السلطة المطلقة على تدبير شؤون مجموعات بشرية ، و تباشر شؤون السلم و الحرب ، و شؤون المواسم و توزيع المياه .
3 –” الجماعت ” : و هو مجلس ممثلي الأسر الكبيرة ، و هو المجلس الذي يقرر في الشؤون المحلية عبر ممثلي هذه الأسر الكبيرة . حيث يؤلفون مؤسسة منتخبة تسمى ” أيت ربعين ” . أو ‘ إنفلاس ” . و يجتمع هذا المجلس عادة عند أحد الأعضاء الذين يملكون نفوذا أكبر أو بهو المجلس ” العمومي ” ، أو في ساحة المسجد أو قاعته ، أو في مكان أو فضاء مفتوح .
إن ” الجماعت ” تنظر للمجال باعتباره أرضا مشاعة ، يتقاسم الجميع غلاتها ، و يستفيد الجميع من ثرواتها ، بل أن لبعض هذه ” الجماعات ” مخازن مشتركة تسمى ” أكادير “.